محمد بن جرير الطبري
119
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أتقتلني وقد شعفت فؤادها * كما شعف المهنوءة الرجل الطالي قال : وشعف المرأة من الحب ، وشعف المهنوءة من الذعر ، فشبه لوعة الحب وجواه بذلك . وقال ابن زيد في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : قَدْ شَغَفَها حُبًّا قال : أن الشغف والشعف مختلفان ، والشعف في البغض ، والشغف في الحب . وهذا الذي قاله ابن زيد لا معنى له ، لأن الشعف في كلام العرب بمعنى عموم الحب أشهر من أن يجهله ذو علم بكلامهم والصواب في ذلك عندنا من القراءة : قَدْ شَغَفَها بالغين لإجماع الحجة من القراء عليه . وقوله : إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قلن : إنا لنرى امرأة العزيز في مراودتها فتاها عن نفسه وغلبة حبه عليها لفي خطأ من الفعل وجور عن قصد السبيل مبين لمن تأمله وعلمه أنه ضلال وخطأ غير صواب ولا سداد وإنما كان قيلهن ما قلن من ذلك وتحدثهن بما تحدثن به من شأنها وشأن يوسف مكرا منهن فيما ذكر لتريهن يوسف . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ يقول تعالى ذكره : فلما سمعت امرأة العزيز بمكر النسوة اللاتي قلن في المدينة ما ذكره الله عز وجل عنهن . وكان مكرهن ما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو بن محمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ يقول : بقولهن حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما أظهر النساء ذلك من قولهن : تراود عبدها مكرا بها لتريهن يوسف ، وكان يوصف لهن بحسنه وجماله ؛ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ : أي بحديثهن ، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ يقول : أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدثن بشأنها وشأن يوسف وَأَعْتَدَتْ أفعلت من العتاد ، وهو العدة ، ومعناه : أعدت لهن متكئا يعني مجلسا للطعام ، وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد ، وهو مفتعل من قول القائل : اتكأت ، يقال : ألق له متكئا ، يعني : ما يتكئ عليه . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن اليمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سيعد : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً قال : طعاما وشرابا ومتكئا حدثنا ابن وكيع قال : ثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً قال : يتكئ عليه حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية عن علي ، عن ابن عباس : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً قال : مجلسا حدثني المثنى قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن أبي الأشهب ، عن الحسن أنه كان يقرأ : مُتَّكَأً ويقول : هو المجلس والطعام قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن يزيد : من قرأ : " متكئا " خفيفة ، يعني طعاما ، ومن قرأ مُتَّكَأً يعني المتكأ فهذا الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه من تأويل هذه الكلمة ، هو معنى الكلمة وتأويل المتكأ ، وأنها أعدت للنسوة مجلسا فيه متكئا وطعام وشراب وأترج . ثم فسر بعضهم المتكأ بأنه الطعام على وجه الخبر عن الذي أعد من أجله المتكأ ، وبعضهم عن الخبر عن الأترج ، إذ كان في الكلام : وآتت كل واحدة منهن سكينا ، لأن السكين إنما تعد للأترج وما أشبهه مما يقطع به . وبعضهم على البزماورد : حدثني هارون بن حاتم المقرئ ، قال : ثنا هشيم بن الزبرقان ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، في قوله : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً قال : البزماورد وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : المتكأ : هو النمرق يتكأ عليه وقال : زعم قوم أنه الأترج ، قال : وهذا أبطل باطل في الأرض ، ولكن عسى أن يكون مع المتكإ أترج يأكلونه . وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة ، ثم قال : والفقهاء أعلم بالتأويل منه . ثم قال : ولعله بعض ما ذهب من كلام العرب ، فإن الكسائي كان يقول : قد ذهب